نوري السعيد 1

قد يتسائل البعض عن السبب وراء اهتمامنا بسيرة حياة الباشا نوري السعيد رحمه الله ، نجيب على ذلك فنقول ان الاهتمام يعود للاسباب الاتية

1
ان سيرة حياة نوري السعيد هي سيرة رجل دولة عراقي نزيه ونظيف ومخلص وما احوجنا ونحن في هذه الظروف السياسية المعقدة التي يمر بها النظام السياسي العراقي الى المثل الاعلى لكي يقتدي به رجال الدولة الحاليين ، نوري السعيد عمل بكل اخلاص وتفاني على بناء العراق جنبا الى جنب مع الملك المؤسس فيصل الاول منذ تأسيس الدولة العراقية في العصر الحديث في عام 1921 وبقي يواصل جهاده في بناء العراق حتى استشهاده في 15 / 7 / 1958 ، فكانت بصماته واضحة جلية في بناء مؤسسات الدولة وفي الدفاع عن مصالح العراق والحفاظ على وحدة كيان الدولة العراقية الناشئة والحرص على ثروات البلد ، اضافة الى دوره في ابراز مكانة العراق في المحافل الدولية ، واننا نرى بان تهمة الخيانة والعمالة لبريطانيا التي كانت تروج ضده انما هي تهمة باطلة من تلفيق خصومه السياسيين بدوافع الحقد والضغينة ، فالعراق كان في تلك العهود بلدا ناشئا ضعيفا في كافة المجالات ، يسوده الجهل والمرض والامية ، وقد كان العراق بحاجة ماسة الى الدعم والاسناد من دولة قوية ذات قدرات اقتصادية عالية لغرض مساعدته في نهضته وتقدمه بعد قرون من الخضوع للحكم العثماني المتخلف ، وان الاستعانة بدولة متقدمة مثل بريطانيا من اجل المساعدة في بناء العراق لا يعتبر عمالة ، نوري السعيد كان أشبه برب الاسرة الذي يبذل كل جهوده وبشتى الوسائل لكي يحصل على الدعم والمساعدة من جهات خارجية لتوفير الحياة الكريمة لاسرته ...

2 حتى الاخطاء التي حدثت في سياسة نوري السعيد فهي لا قيمة لها ولا اهمية امام عظمة انجازاته وخدماته للعراق ، الاخطاء التي ارتكبها انما هي انعكاس لطبيعة الصعوبات التي كانت تواجهه في ادارة شؤون بلد فقير الامكانيات ، حديث العهد بالاستقلال ، متعدد الاعراق والطوائف ، كثير المشاكل والهموم والمحن ، وان ما يشفع له هو انجازاته التي ساهمت بشكل فعال في اقامة كيان العراق الحديث ، واننا نرى بان الواجب الاخلاقي يحتم علينا الاعتراف والاقرار باستحقاقات نوري السعيد من الشكر والتقدير والعرفان لجهوده ، هذا الرجل الذي عاش نزيها لم يكتنز من المال العام ، ولم يتملك الاراضي والقصور والعقارات على مدى 37 سنة من خدمته في الدولة وهو بارفع المناصب ، ولم يخون العراق ولم يفرط بأرض العراق لصالح اي دولة من دول الجوار ، ومات مقتولا مظلوما بريئا ، وترك خلفه زوجة من غير راتب تقاعدي تعتاش منه ومن غير مسكن يأويها ، وكذا الحال بعائلة أبنه صباح الذي قتل دون ذنب والذي ترك خلفه زوجة وولدين شابين دون راتب تقاعدي ودون مسكن ، حيث تمت مصادرة مساكنهم في بغداد

3 النقطة الثالثة تتعلق بمسألة الهوية الوطنية ، ان من ابرز المشاكل التي واجهت مؤسسي الدولة العراقية الحديثة هو انعدام الهوية الوطنية التي تربط ابناء الوطن الواحد ، وهذه المشكلة سببها طول فترة الخضوع للحكم العثماني المحتل وتعدد الاقوام التي غزت العراق في القرون السابقة ، ولذلك كانت تسود حالة ضعف الولاء للوطن وضعف روح المواطنة ، وشيوع الولاء الى جهات خارجية ، وقد استمرت هذه المشكلة حتى بعد سقوط النظام الملكي ، وهذه الحالة لا زال لها وجود لغاية يومنا هذا حيث يتجه ولاء البعض نحو الجار الشرقي والبعض الاخر نحو الجار الغربي ، ومن ابرز الادلة على انعدام الهوية الوطنية في مرحلة تأسيس الدولة العراقية هو اختيار ملك من خارج العراق ( من الحجاز ) لقيادة البلد في تلك المرحلة لانعدام الزعيم الرمز الذي يلتف حوله العراقيون ، ان الهوية الوطنية هي تعبير عن الشعور بالانتماء الى الوطن الواحد بأرضه وتاريخه وثقافته ومكوناته البشرية ، ومن ابرز معالم الهوية الوطنية هو وجود الزعيم الرمز التاريخي ، القائد التاريخي للامة او الأب المؤسس الذي يكون نابعا من جذور الامة ويمثل رمز الامة في وجودها وفي وحدة كيانها ، ان العراقيين هم بامس الحاجة الى القائد التاريخي الرمز النابع من صميم الارض العراقية ومن صميم المجتمع العراقي ، اننا نرى بان شخصية نوري السعيد هي الشخصية العراقية الاصيلة المعبرة عن عمق الانتماء والاصالة لهذا الوطن ، ورمز الهوية الوطنية ، فهو ابن مدينة بغداد ، حيث ولد فيها وعاش وترعرع في ازقة بغداد ، ومارس حياة البغداديين بكل تفاصيلها في طقوسهم وعاداتهم وفي اسلوب معيشتهم وثقافتهم ، عاش هموم العراقيين وتطلعاتهم وامانيهم في وطن حر مستقل ... وهو الجدير بلقب الاب المؤسس والزعيم الرمز للامة العراقية الحديثة ورب الاسرة العراقية ، واننا نعتقد بانه يجب اعادة الاعتبار لهذه الشخصية التاريخية تعبيرا عن الوفاء والعرفان له... واننا نرى بان اعادة الاعتبار للباشا نوري السعيد يكون من خلال الاجراءات الاتية ان يصدر البرلمان العراقي بيان يعتبر فيه نوري السعيد رحمه الله شهيدا للوطن

ـ ان يتم اقامة نصب تذكاري او تمثال له في المحل الذي سقط فيه شهيدا في منطقة البتاويين في بغداد

ـ ان يتم اقامة تمثال له امام مبنى رئاسة الوزراء تعبيرا عن التقدير لما قدمه للعراق من خدمات جليلة خلال العهد الملكي

ـ ان يتم وضع صوره في جميع دوائر الدولة العراقية ويكتب تحت الصورة (باني الدولة العراقية الحديثة الشهيد نوري السعيد رحمه الله )

ـ ان يتم وضع صورته على احدى فئات العملة العراقية

المجد والخلود لابن العراق البار الشهيد نوري السعيد رحمه الله

 

القصة الكاملة لمقتل الباشا نوري السعيد

لم يكن في ليلة 13 على 14 تموز 1958 في دار الباشا نوري السعيد الكائنة في كرادة مريم سواه وبعض الحرس وسائقه الذي بات في الدار ليصحب الباشا في الصباح الباكر الى المطار لكي يتوجه الى لندن بصحبة الملك فيصل الثاني، والخبازة فهيمة التي كانت تأتي عند الفجر كل يوم لتشعل التنور وتعمل الخبز الطازج الذي يحبه الباشا عند الفطور، وقد ظلت وفية في عمل هذا لولي نعمتها الى اخر يوم في حياته. وفي فجر يوم 14 تموز كانت قد أحست عند مجيئها بوجود تحركات عسكرية مريبة وغير عادية تحوم حول بيت الباشا، أذ رأت جنود مدججين بالسلاح وسيارات عسكرية. دخلت الدار خلسة دون أن ينتبه اليها أحد، وأخبرت السائق بوجود قوات وتحركات عسكرية للجيش بالقرب من الدار. قام السائق بايقاظ الباشا نوري السعيد الذي كان قد أصبح في التاسعة والسبعين من عمره وقام باخباره بالامر ففتح الراديو على الفور للاطلاع على ما يجري فعرف من خلال ما سمعه بان هناك انقلاب قد حصل من قبل مجموعة من الضباط في الجيش. استنتج نوري السعيد على الفور بانه حتما من المطلوبين وان القوات القريبة من البيت قد جاءت لتعتقله. فكر الباشا في طريقة للهرب وأدرك بان من المستحيل عليه الخروج من باب الدار لوجود الجنود المتربصين به في المنطقة. وفي ارتباك وعجلة من أمره، ارتدى معطف النوم، كما دس في جيوب البيجاما التي يرتديها مسدسين وبعض المال وهرع مسرعا الى الحديقة الخلفية المطلة على نهر دجلة. كان في الحديقة مسناية تطل على النهر مباشرة، وهناك وجد نوري السعيد الصياد عبود بقاربه وهو يصطاد السمك بالقرب من المسناية فنادى عليه، فما كان من هذا الصياد الوفي والذي كان الباشا يرسل له ولأصحابه الأطعمة والمساعدات في كل يوم تقريبا غير ان يستجيب للنداء ويركب الباشا في زورقه. كانت فكرة الباشا هي في محاولة الوصول الى وزارة الدفاع لكي يقوم من هناك وبالتعاون مع رفيق عارف رئيس اركان الجيش بقيادة العمليات للقضاء على الانقلاب. وما ان بدأ الزورق بالمسير حتى مرت طائرة فوق النهر فما كان من الصياد عبود رغم ارتباكه غير ان يطلب من نوري السعيد بأن يلملم جثته الضخمة ويرقد في قاع القارب، ثم أسدل عليه شباك الصيد لإخفائه. وفي تلك الاثناء جرى احتلال بيت الباشا بالكامل من قبل وصفي طاهر المرافق السابق للباشا مع فصيل من الجنود، وسالت دماء الببغاء الأليفة التي يربيها والكلب المدلل على سلم باب المنزل. ومع تعقد الاحداث وتطورها عرف نوري السعيد بان من المستحيل عليه الوصول الى وزارة الدفاع بهذا الزورق فطلب من عبود ان ياخذه الى دار الدكتور صالح البصام المجاورة لمنزله. وفي تلك اثناء اعلنت اذاعة بغداد بعد ان أخبر وصفي طاهر عبد السلام عارف الموجود فيها بهرب الباشا نوري السعيد عن جائزة مقدارها عشرة آلاف دينار لمن يقبض عليه حيا او ميتا. سمع نوري السعيد بهذا الخبر من الراديو في دار البصام وشعر بان الخناق قد أصبح يضيق عليه. كان صالح البصام يراقب الاوضاع من الحديقة والنوافذ وحين رأى القوات التي اخذت تتدفق على المنطقة شعر بانهم لابد قادمون لتفتيش داره، عندها قرر اخراج نوري السعيد من بيته وارساله الى مكان اخر بعيد عن تلك المنطقة . وبعد التباحث مع نوري قرر إرساله إلى دار ابن عمه عميد البصام في الكاظمية. قام صالح البصام بالبأس نوري السعيد عباءة ليتخفى فيها واجلسه في المقعد الخلفي من سيارته بين امرأتين وطلب من السائق اخذهم الى دار ابن عمه في الكاظمية . ودع البصام الباشا وتمنى له النجاة , وهنا قال له نوري بانه لن يسلم نفسه للانقلابيين ابدا وانه سينتحر اذا ضاق عليه الخناق وشعر بانهم سيقبضون عليه .

بعد ذهاب المجموعة بدقائق وصلت وحدة من الجيش لتفتيش بيت الدكتور صالح البصام . فتشو الدار شبرا شبرا , حتى انهم كسروا رخام غرفة الإستقبال بحثا عن ممر سري بين بيته و بيت نوري السعيد , ثم بدأوا في استجوابه فأنكر رؤيته لنوري السعيد او معرفته بمكانه . لكن بستانيا يعمل عنده “إيراني الجنسية” كلّم بستاني آخر ايراني ايضا باللغة الفارسية قائلا له "لو سألوك هل رأيت نوري السعيد فأخبرهم بأنه لم يكن هنا وانك لم تراه ابدا وانك قدمت حديثا إلى العراق وحتى لو رأيته فلن تعرفه" . كان بالقرب منهما جندي كردي يعرف اللغة الفارسية فسمع هذا الحديث فأبلغ الضابط المسؤول عنه بما سمعه فاقتادوا البستاني ليستجوبوه . وفي هذه الأثناء سمع الدكتور البصام الضباط وهم يقررون تفتيش جميع بيوت آل البصام لإحتمالية تواجد نوري السعيد في أحدها , فلم يعرف كيف يبلغ نوري السعيد الذي صار في منزل ابن عمه في الكاظمية , و لم يجد لهذا من سبيل إلا أن يطلب من أخته أن تذهب من فورها إلى الكاظمية مشيا على الأقدام حتى تبلغهم الخبر .

بقي نوري السعيد في تلك الليلة في دار عميد البصام ، وكان مرهقا ومحموما والعرق يتصبب من جبينه ولم ينم في تلك الليلة ابدا , وكان تواقا لمعرفة مصير الملك فيصل والامير عبد الاله وكان بيده راديو صغير لمتابعة الأخبار . مشت اخت صالح البصام من قبل غروب الشمس وظلت تمشي متخفية طيلة الليل بالرغم من منع التجول ولم تصل دار عميد البصام في الكاظمية إلا عند الفجر . وبعد وصولها أبلغتهم بما جرى فقرر نوري السعيد أن ينتقل إلى منزل الحاج محمود الأستربادي الموجود في الكاظمية ايضا . ترك نوري السعيد دار عميد البصام ملتفا بعباءة سوداء وفوطة نسائية بين سيدتين متحجبتين واتجه معهما وباقي افراد العائلة الي الطريق المؤدية الي حضرة الكاظمين ، وعند مرورهم بدار الاستربادي وقف نوري امام الباب الخلفية بينما سار الاخرون في طريقهم للقيام بصلاة الفج في الحضرة الكاظمية . طرق نوري السعيد الباب ففتحت له السيدة الوقورة ام عبد الامير زوجة الحاج محمود الاسترابادي التي كانت بمثابة اخت لزوجة نوري السعيد . رحبت المرأة بضيفها وحمدت الله على سلامته وادخلته للدار واكرمت وفادته ولم يكن في المنزل معها سوى ولدها مظفر والخادمة ، اذ كان الرجال ايضا قد ذهبوا الى الحضرة كعادتهم في كل فجر لاداء الصلاة . دخل نوري البيت وشعر بالاطمئنان واستراح قليلا ثم تابع الاستماع الى الانباء التي يذيعها راديو بغداد , لكن الاخبار ظلت تخفي مصرع الملك والمجزرة التي حصلت في قصر الرحاب التي اودت بحياة افراد الاسرة المالكة وما حصل للامير عبد الإله وسحله بالشوارع . كان أمل الباشا الوحيد في تلك الاثناء هو في حصول تدخل خارجي , سواء من قبل الاردن لكونها عضوة في الاتحاد الهاشمي , او من قبل دول حلف بغداد لوجود اتفاقية دفاع مشترك بينها . وحين أطل نهار جديد ولم يحصل هذا واحتمال ان يكون الملك فيصل والامير عبد الاله قد قتلا شعر بان الامر قد انتهى وان لا امل له في هذا ابدا وظل يردد "سووها الانكليز , سواها ابو ناجي" .

بعد الاقتناع بان لا جديد يمكن ان يحصل اخذ نوري السعيد يفكر بالهرب خارج العراق كما فعل في عام 1941 . بدأ بالتشاور مع زوجة محمود الاسترابادي في ايجاد طريقة لانقاذه من المصير الذي اصبح يحيط به . اقترحت السيدة ام عبد الامير علي نوري ان تصحبه متخفيا مع خادمتها بالسيارة عند رفع منع التجول في الصباح ، اذ يمكن بعد ذلك ايصاله الي مكان أمين في البتاوين هو بيت السيد هاشم جعفر زوج ابنة السيد محمود الاستربادي من زوجته السابقة . وهاشم جعفر هو شقيق ضياء جعفر النائب والوزير في عهد نوري السعيد ــ فالنسب الموجود بينهم يحتم الثقة باهل البيت , كما ان من المؤكد ان تستبعد السلطات القائمة ذهاب نوري السعيد الي قلب بغداد ثانية بعد ان اتجه الي الكاظمية التي هي اقرب لمن يفكر بعبور الحدود ومغادرة البلاد الي الخارج . عندما سمع نوري هذا الاقتراح رحب به الفكرة اذ كان يعلم ايضا بان صديقه الشيخ محمد العريبي يسكن في البتاوين ، فربما يمكنه الوصول اليه متخفيا مشيا علي الاقدام فيندمج مع رجال عشيرة ألبو محمد ويذهب معهم الي الحدود للوصول الي ايران التي هي عضوة في حلف بغداد , ومن هناك العمل على انقاذ ما يمكن انقاذه , خصوصا اذا كان الملك فيصل الثاني لا زال حيا لان الاخبار الصادرة من اذاعة العراق ظلت لحد تلك اللحظة تخفي مقتل فيصل الثاني أثر الهجوم على قصر الرحاب خوفا من اثارة بعض فئات الشعب التي كانت تحمل للعاهل الشاب المحبة والولاء مما ابقى بعض الامل عند نوري في امكان انقاذ الحكم الهاشمي في العراق . وعند رجوع الحاج محمود الاستربادي وانجاله من الصلاة اخبرتهم ام عبد الامير با حدث والنية المعقودة ووجوب كتمان الامر بصورة قاطعة حتي لا تتعرض العائلة باسرها لمكروه ، فذهب كل منهم رأسا الي حجرته ولم يطلع حتى الخدم علي شخصية نوري ووجوده داخل الدار. ولما انتهت فترة منع التجول تهيأ الجميع لمغادرة الباشا , وكانوا قد اخبروه بالمصير الذي أل اليه الملك فيصل الثاني والامير عبد الاله وبقية افراد الاسرة المالكة فحزن حزنا شديدا . تقرر ان يجلس نوري السعيد متخفيا مرة اخرى بزي امرأة بين السيدة ام عبد الامير وخادمتها في سيارة اهل البيت ليتجهوا بعدها الى دار السيد هاشم جعفر في البتاوين . كان نوري السعيد قد طلب من أم عبد الامير ان لا تأخذه الى بيت السيد هاشم جعفر بل ان تأخذه الى دار الشيخ محمد العريبي التي كانت تقع في محلة البتاوين ايضا , لكن أم عبد الأمير لم تكن تعرف مكانها . وقد كان الشيخ محمد العريبي أحد كبار شيوخ ألبو محمد بالعمارة وتقع أراضيه الزراعية بجوار الحدود العراقية الايرانية ومنها يمكن لنوري السعيد عندما يصل الي هناك أن يعبر الحدود الي ايران , وفي ايران يمكنه البحث مع بقية الأعضاء في ميثاق بغداد عن ما يمكن فعله لانقاذ الموقف في العراق . خرج نوري السعيد من دار محمود الاسترابادي في يوم 15 تموز قبل الظهر بقليل متخفيا مرة اخرى بعباءة نسائية وبسيارة العائلة يقودها عبد الرسول أحد أولاده . ولما كانت السيدة أم عبد الأمير الاستربادي لا تعرف موقع بيت الشيخ محمد العريبي فقد ارتأت اخذ نوري السعيد الي بيت السيد هاشم جعفر اولا وان تبقيه هناك الي ان تهتدي الي معرفة موقع بيت العريبي . كان هذا هو القرار القاتل الذي اودى بحياة الباشا نوري السعيد وبحياتها ايضا لانها لم تحسن تقدير الموقف ولا ظروف وطبيعة الاسرة في تلك الدار وتلك المنطقة . وعند وصولهم طرقت السيدة ام عبد الامير الباب بتحفظ ففتحت ابنه زوجها الباب واسرت اليها بصوت خافت بما يفيد بان نوري السعيد هارب من الشرطة ويستأذن في الدخول فادخلتهم وقادته رأسا الي حجرة الاستقبال . ذهبت المرأة واخبرت زوجها بالقادم فامتعض السيد هاشم وعائلته من وجود نوري السعيد في دارهم وامتنعوا عن استقبال الضيف , ولكن صاحبة الدار ظلت تلح وتصر على استقباله . قررت أم عبد الأمير الاستربادي أن تترك الباشا هناك وتخرج وحدها للتفتيش عن مسكن شيخ العريبي شيخ عشيرة ألبو محمد ثم ترجع لتأخذه الى هناك وأوصت أم البيت أن تعد لضيفها الشاي لحين عودتها لكن الأقدار شاءت غير ذلك . فبعد مدة وجيزة احس نوري فجأة بان باب الدار قد فتحت ثم اقفلت بسرعة وان هناك من غادر او دخل الى البيت فانتابته الهواجس وسأل صاحبة الدار عن من دخل او خرج من الدار مسرعا الان . تلعثمت ام عمر ثم اجابت بتردد ظاهر : لا احد , لا احد , ربما اراد ابني عمر الذهاب وشراء شيء من السوق وخرج من البيت . ارتعد نوري عند سماع كلامها فقرر مغادرة البيت فورا , حتى قبل خروج أم عبد الأمير الاستربادي للبحث عن موقع بيت العريبي واسرع رأسا الي باب المدخل . كان من خرج من المنزل هو عمر ابن السيد هاشم جعفر واخته للذهاب الى بقال قريب وابلاغ السلطات عن طريق الهاتف بوجود نوري السعيد بدارهم . ولا يستبعد ابدا بان يكون السيد هاشم جعفر نفسه وراء هذا الامر وانه هو الذي دفعهم للخروج وابلاغ السلطات , خصوصا وان الاذاعة كانت تحث الناس في تلك الساعات المحرجة على البحث عن نوري السعيد وتلويحها لهم بالمكافأة الثمينة لمن يرشد الي مكانه , ومن الطبيعي ان تميل النفوس الضعيفة الى انتهازمثل هذه الفرص حتي لو لم تكن في حاجة للمال . وبالفعل قام عمر بالابلاغ فبعثت السلطات فورا الى المنطقة شاحنة تحمل عددا من رجال الجيش , وحيث انه كان من الصعب الاهتداء الي نوري السعيد شخصيا بين الجموع خصوصا اذا كان متنكرأ فقد ارسل عبد الكريم قاسم وصفي طاهر المرافق السابق لنوري باشا علي راس المجموعة العسكرية حتي يتعرف عليه ولا يلتبس الامر عليهم .

خرج نوري السعيد من دار السيد هاشم جعفر مسرعا بعد ان عدل حاله وارتدى العباءة , وعند خروجه من الدار وفي ظل حالة الارتباك التي كان فيها عثرت قدمه بسلم عتبة الباب المرتفعة فوقع وسقطت عن رأسه العباءة النسائية فشاهده الناس الموجودين والمارين في الطريق وصاح الاطفال "هذا رجال يلبس لبس نسوان" , لكنه قام واخذ يسير مسرعا وتبعته ام عبد الامير والخادمة . وفي هذه الأثناء وصلت سيارة عسكرية تقل مجموعة من الضباط والجنود على رأسهم وصفي طاهر مرافق نوري السعيد السابق . شاهد نوري السعيد باشا تلك السيارة وهي تدخل الشارع الذي كان يسير فيه فأعتقد بانها قادمة حتما نحوه لاعتقاله . وعندما اقتربت منه السيارة العسكرية وشعر بأن لا خلاص له من هذا المأزق الذي وقع فيه طلب من المرأتين تركه فهربت الخادمة لكن ام عبد الامير ابت ان تتخلى عنه وظلت معه . اخرج الباشا أحد مسدسيه اللذين كانا معه وأطلق رصاصة على نفسه فسقط ارضا . ترجل وصفي طاهر من العجلة وتقدم نحو الجثة التي سقطت على الارض , وكان الباشا قد مات او في رمقه الاخير . لم يكتف وصفي طاهر بموت الرجل فأطلق سيل من الرصاص من رشاشته عليه , بينما كانت أم عبد الامير تصيح فيه بصوتها الجهوري وهي تبكي: هذا باشتنا يا وصفي ، هذا ابوك وابو الكل انقذوه . كان صوتها قد اصبح خشنا بسبب بكائها يشبه صوت الرجال فظن وصفي بانها رجل متنكر في ثياب امرأة فأطلق عليها ايضا الرصاص وقضي عليها رأسا , فكانت هذه هي نهاية هذه المرأة الوفية التي لم تتخلى عن الرجل الذي استنجد بها الى اخر لحظة في حياتها .

ظل وصفي طاهر يدعي بفخر في الصحف والاذاعات فيما بعد بانه الرجل الذي قضى على نوري السعيد لكن الناس كانوا قد شاهدوا ما حصل وظلوا يصفونه باستهزاء (قاتل السبع الميت) . أخذ وصفي طاهر جثة نوري السعيد الى وزارة الدفاع لكي يراها عبد الكريم قاسم لانه لم يكن يطمئن بان حركته ستنجح مالم يتم القضاء على هذا الرجل . وبعد الاطلاع عليها أمر عبد الكريم قاسم بدفنها . وبالفعل اخذت الجثة في لية 15 على 16 تموز ودفنت في مقبرة باب المعظم القريبة من السجن بالمركزي المواجهة لدائرة الطب العدلي . كان من بين من قاموا بالدفن شخص ابلغ الناس بمكان دفن جثة نوري السعيد فجاءت بعض العناصر الحاقدة في صباح اليوم التالي ونبشت القبر واستخرجت الجثة وربطتها بالحبال وقامت بسحلها في مختلف شوارع بغداد . وصلت الجثة الى منطقة الوزيرية بجوار السفارة المصرية حيث كانت الجماهير تتظاهر هناك رافعة صور جمال عبد الناصر فخرج السفير امين هويدي يحييهم مبتهجا بما يجري وشامتا بجثة الباشا الذي مرت من امامه . وفي العصر وصلت الجثة المسحولة الى بداية شارع غازي (الكفاح) وقد اصبحت بحال لا يستطيع اي انسان سوي من النظر اليها . وكان هناك عدد من سيارات الشرطة وبعض الدبابات تحوم حول تلك الاحياء للسيطرة علي الامن نظرا للهياج العام والهستيريا السادية التي انتشرت بين جموع الناس في تلك الايام في كافة اطراف العاصمة. اراد قائد تلك القوة العسكرية ان يظهر بطولته فأمر سائق الدبابة التي يركبها بان يسحقها بسرفة دبابته بشراسة , ولما تردد الرجل في التنفيذ هدده بالمسدس فرضخ للامر . قامت الدبابة بسق الجثة عدة مرت حتى اصبحت كتلة من اللحم المفروم . وبعد هذا السحق تقدم احد الرجال من الجثة وصب عليها البنزين وجرى اشعالها , وبعد ان تفتت وخمدت النار فيها جمع احد المارين ما تبقي من اشلاء بالية في كيس وحملها الي الكاظمية حيث تم دفنها في جانب من مقبرة السيد حسين السيد يونس حسبما ذكره عبد الهدي الجلبي فيما بعد حينما التقي بهذا الرجل الاصيل .قبض الواشي عمر ابن هشام جعفر صاحب البلاغ عن مكان نوري السعيد باشا على مبلغ الجائزة المقررة وهي عشرة آلاف دينار مكفأة علي فعلته الشنيعة وسافر بثمنها الي بريطانيا للدراسة . ولو قارنا بين موقف هذا النذل بمواقف بقية الاشخاص الذين شاهدوا الباشا وساعدوه لعرفنا الفرق بين نفسيات البشر , ولا يستبعد بان تكون نهايته نهاية مأساوية كما كانت نهايات ابطال تموز عقابا من الباري عز وجل على ما فعله . رحم الله نوري السعيد , الرجل الذي خدم العراق الى اخر يوم في حياته .

 

أعتقد أن كل ما يجري لنا الآن في العراق هو جزاء ما فعله السفاحين الذين جاؤوا بالنظام الجمهوري عام 1958 المشؤم وعلئ رأسه عميل المخابرات البريطانية  المقبور الى الابد الذي دمر العراق عدو الكريم قاسم الشعب  (مع كل الاسف فئة من الناس تلقبه بالبطل الوطني) الذي خان شرفه العسكري مع زمرة او يمكن ان تسميهم شلة حثالات ممن يدعون بالضباط الاحرار (زمرة ضباع نتنة وقسم منهم ممن يسمون انفسهم بالقوميين العرب من امثال المقبور الى الابد عدو السلام محمد الذي لايعرف (عارف) ويدينون بالولاء للاجنبي ولايعرفون الوطنية والولاء للعراق العظيم) مبادئهم مبنية على أسس النفاق وازهاق الأنفس و إراقة الدماء  ومنذ ذلك اليوم وحتئ اليوم  لم ولن يتعافى العراق وهو في فوضى ومأسي الواحدة تلوى الاخرى

 

In my opinion and with respect to all and their personal thoughts, everything that is happening to us now in Iraq is a penalty and a curse for what the savages who brought the fateful republican regime in 1958 and their head of that coup, a British intelligence agent who destroyed Iraq forever. He was the enemy of the people; the non-honorable Abdul Kareem Qassim (unfortunately a group of people still calls him the national hero). He betrayed his military honor with a clique (gangsters), or you can call them a group of riffs who used to be called the free officers (a clump of stinky hyenas and some of them who called themselves Arab nationalists such as the one that is in his ugly tomb forever, enemy of peace, (Abdul Salam Muhammad Arrif)). Their only owe loyalty was to the foreigner and did not have an inch of patriotism, with no loyalty to a great Iraq. Their principles were based on hypocrisy, tired Souls, and bloodshed. Since then and till today, Iraq was and will be in a state of chaos and tragedies one after the other, and finally, neither, nor Iraq will ever recover.